السيد عبد الله شبر
38
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
الغالب فيه الخير أو الشرّ ، أو رفع العُجب عنه بفعل الطاعات ، أو الرجوع إليه تعالى في حفظ نفسه من المعاصي أو غير ذلك من الحِكَم والمصالح التي لا تدركها عقولنا القاصرة وأفهامنا الفاترة . السابع : ما اعتمده أكثر الأصحاب وعوّلوا عليه في هذا الباب ، وهو أنّ ذلك مُنزّل على العلم الإلهيّ ، فإنّه تعالى لمّا خلق الأرواح كلّها قابلة للخير والشرّ ، وقادرة على فعلهما ، وعلم أنّ بعضها يعود إلى الخير المحض وهو الإيمان ، وبعضها يعود إلى الشرّ المحض وهو الكفر باختيارها ، عاملها هذه المعاملة كالخلق من الطينة الطيّبة أو الخبيثة ، فحيث علم اللَّه من ( زيد ) أنّه يختار الخير والإيمان البتّة ولو لم يخلق من طينة طيّبة ، خلقه منها ، ولمّا علم من ( عمرو ) أنّه يختار الشرّ والكفر البتّة خلقه من طينة خبيثة ؛ لطفاً بالأوّل وتسهيلًا عليه وإكراماً له ؛ لما علم من حسن نيّته وعمله ، وبالعكس في الثاني ، وعلم اللَّه ليس بعلّة لصدور الأفعال . وهذا معنى جيّد تنطبق عليه أكثر أخبار الباب ويستنبط من أخبارهم عليهم السلام ، كما أشير إليه في الحديث المذكور بقوله عليه السلام حكاية عنه تعالى : « أنا المطّلع على قلوب عبادي ، لا أحيف ولا أظلم ولا ألزم أحداً إلّاما عرفته منه قبل أن أخلقه » ، ويستفاد ذلك من أخبار أخر ذكرها يفضي إلى التطويل . الثامن : أنّ اللَّه سبحانه وتعالى لمّا خلق الأرواح قبل خلق الأبدان في عالم الذرّ وكلّفها بتكليف حين تجرّدها ، أجّج لها ناراً وأمرها بالدخول إليها والاقتحام فيها ، فامتثل بعضها وبادر إلى الإطاعة ، فكانت عليه برداً وسلاماً ، وأبى بعضها ولم يمتثل ، فندم وخسر ، ثمّ طلب الرجوع مرّة أخرى ، فأبى ولم يمتثل أيضاً ، فقامت هناك الحجّة ، وثبتت المحجّة ، وتحقّق الإيمان والكفر بالإطاعة والعصيان قبل استقرار الأرواح في الأبدان ، ووقع معلوم اللَّه تعالى مطابقاً لعلمه ، فخلق تعالى للأرواح المطيعة مسكناً مناسباً لها - وهو البدن - من طينة علّيّين ، وخلق للأرواح العاصية مسكناً من طينة سجّين ، كما خلق تعالى للمؤمن جنّة وللكافر ناراً ، وذلك ليستقرّ كلّ واحد فيما يناسبه ، ويعود كلّ جزء إلى كلّه ، وكلّ فرع إلى أصله . فظهر أنّ الخلق من الطينتين تابع للإيمان والكفر ، ومسبّب عن العمل دون العكس ،